نعرف اولا بأهل الفترة :
١-فهم أولا ما بين سيدنا عيسى وسيدنا محمد قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ~[المائدة : 19].
فالفترة: هي الوقت الذي لا يكون فيه رسول ولا كتاب، ويلحق بأهل الفترة من كان يعيش منعزلًا مثلًا عن العالم، أو بعيدًا عن المسلمين، ولم تبلغه دعوة، قال الحافظ ابن كثير في تعريف الفترة: (هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين سيدنا عيسى وسيدنا محمد ) وقال الإمام الألوسي في تفسيره: (أجمع المفسرون بأن الفترة هي انقطاع ما بين رسولين)،
٢- وأهل الفترة: (هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول، ولا أدركوا الثاني كالأعراب الذين لم يرسل إليهم سيدنا عيسى ولا لحقوا النبي سيدنا محمدا.. ثم صار يطلق عند كثير من العلماء على كل من لم تبلغهم الدعوة، بما فيهم أطفال المشركين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ~[الإسراء: 15] ،
وأما حكمهم: فهذا إلى الله سبحانه وتعالى. ويرجح أغلب الباحثين أنهم سيتعرضون لامتحان خاص يوم القيامة، فيبعث الله لهم رسولا، فمن اتبعه يدخل الجنة مع المؤمنين، ومن كفر منهم يعذب في جهنم مع داخليها.
و أهل الفترة أقسام
كما قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى:
الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته، ومن هؤلاء:
1ـ من لم يدخل في شريعة كقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل.
2ـ ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم كتبّع وقومه.
الثاني: من بدل وغير وأشرك ولم يوحد وشرع لنفسه فحلل وحرم وهو الأكثر كعمرو بن لحي أول من سن للعرب عبادة الأصنام، وشرع الأحكام، فبحر البحيرة، وسيب السائبة ووصل الوصيلة، وحمى الحامي وزادت طائفة من العرب على ما شرعه أن عبدوا الجن، والملائكة، وحرقوا البنين، والبنات، واتخذوا بيوتاً جعلوا لها سدنة وحجاباً يضاهون بها الكعبة كاللات والعزى ومناة.
الثالث: من لم يشرك ولم يوحد ولا دخل في شريعة نبي ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا اخترع ديناً، بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله، وفي الجاهلية من كان كذلك.
فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة الأقسام فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني لكفرهم بما لا يعذرون به.
وأما القسم الثالث: فهم أهل الفترة حقيقة وهم غير معذبين للقطع بذلك في القرآن، كما تقدم.
وأما القسم الأول: فقد قال في كل من قس، وزيد: أنه يبعث أمة وحده، وأما تبّع ونحوه فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه ما لم يلحق أحد منهم الإسلام الناسخ لكل دين،.
واختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال كثيرة ومن أشهرها:
: أن من مات ولم تبلغه الدعوة مات ناجياً:
قال الامام السيوطي: (وقد أطبقت أئمتنا الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجياً…) .
ونص بعض الأئمة على دخول أطفال المشركين الجنة- دون غيرهم من أهل الفترة– كالإمام النووي، والحافظ ابن حجر العسقلاني وذكر أنه ترجيح البخاري، والإمام القرطبي والإمام ابن الجوزي .
وقال قوم إن من مات ولم تبلغه الدعوة فهو في النار،
كما هو قول جماعة من أصحاب أبي حنيفة
وقال قوم: الوقف في أمرهم، وقد يعبر عنه بأنهم تحت المشيئة قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك وليس عنده في المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة).
وقوم نظروا في بعض الادلة فقالوا : إنهم يمتحنون في عرصات القيامة بنار يأمرهم الله سبحانه وتعالى بدخولها، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها فقد عصى الله تعالى فهو من أهل النار، وهذا قول جمهور السلف، حكاه الأشعري عنهم، وممن قال به محمد بن نصر المروزي والبيهقي، وابن كثير الذي يقول : (.. وقد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديماً وحديثاً وهي الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوته وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه). ثم ساق عشرة أحاديث في هذه المسألة، ثم أشار إلى الأقوال في المسألة، ورجح أنهم يمتحنون يوم القيامة حيث قال: (… وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة .
ومن أهم أدلتهم على هذا القول دليلان:
الأول: استدلوا بعموم الآيات الدالة على نفي التعذيب قبل بلوغ الحجة، من مثل قوله تعالى عن أهل النار: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا﴾ ~[الملك: 8-9].
وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ~[الإسراء: 15] وغيرها من الآيات الدالة على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير.
(والله تعالى أعدل العادلين، لا يعذب أحداً حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة، وأما من انقاد للحجة، أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه، استدل بهذه الآية على أن أهل الفترات، وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله، حتى يبعث إليهم رسولاً، لأنه منزه عن الظلم جل جلاله.