الجهر في الصلوات الليلية، وعدم الجهر في الصلوات النهارية من الهدي النبوي، من سنن الهيئة في الصلاة، يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه
. قال ابن قدامة في المغني: والأصل فيه فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت ذلك بنقل الخلف عن السلف، فإن جهر في موضع الإسرار أو أسرَّ في موضع الجهر ترك السنة وصحت صلاته.
أما المأموم فلا يشرع له الجهر بلا خلافٍ؛ وذلك لأنه مأمور بالإنصات للإمام، والاستماع له، ولئلا يشوش على الإمام.
أما صلاة المنفرد، فالجمهور على أنه يُسنُّ له الجهر في صلاة الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء. قال النووي في المجموع: المنفرد كالإمام في الحاجة إلى الجهر للتدبر، فسنَّ له الجهر كالإمام وأولى؛ لأنه أكثر تدبرًا لقراءته لعدم ارتباط غيره، وقدرته على إطاقة القراءة. وهو مخير في صلاة الليل بين الجهر والإسرار، لحديث السيدة عائشة رضي الله عنها، أنها سُئِلتْ: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته من الليل إذا قرأ؟ قالت: نعم، ربما رفع، وربما خفض. رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح.
لكن لا يشرع له الجهر إذا كان فيه أذىً لغيره من مصلٍّ أو قارئٍ؛ لما رواه مالك في الموطأ وغيره عن البياضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون، وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن.
وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر، وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذينَّ بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة - أو قال - في الصلاة.
أما صلاة الظهر والعصر، وصلاة الضحى، والسنن الرواتب، وباقي نوافل النهار، فإن السنة فيها الإسرار. قال النووي في المجموع: وأما السنن الراتبة مع الفرائض فيسرّ بها كلها باتفاق أصحابنا.
إلا أن الحنفية ذهبوا إلى أن الجهر واجب وليس سنة، حيث جاء في كتاب [الهداية 1/74]: "ولو جهر الإمام فيما يخافت أو خافت فيما يجهر تلزمه سجدتا السهو لأن الجهر في موضعه والمخافتة في موضعها من الواجبات".
وعليه، فلم يثبت عند أحد من العلماء استحباب سنية الجهر في محل الإسرار أو العكس.
وقد اختلف العلماء فيمن أسر في محل الجهر، أو جهر في محل السر، فعند الحنفية والمالكية يترتب عليه سجود سهو، وجوباً عند الحنفية وسنة عند المالكية، جاء في كتاب "الفواكه الدواني" للمالكية (1/206): "وإذا قرأ في محل السر جهراً، وفي محل الجهر سراً؛ فإنه يسجد في الأولى بعد السلام" أي يلزمه سجود البعدي عند المالكية..
وإن ترك سجود السهو صحت صلاته.
وعند الشافعية والحنابلة يكون تاركاً للسنة، وصلاته صحيحة ولا شيء عليه.