هناك شروط لعدم المؤاخذة على الإكراه ،أجملها لك:
1 - أن يكون المكرِه قادرًا على إيقاع ما هدد به، وإلا كان هذيانًا وضربًا من اللغو الذي لا يلتفت إليه، ولعل هذا ما جعل الإمام أبا حنيفة يشترط في تحقيق الإكراه أن يكون من السلطان، لأن غيره لا يتمكن من تحقيق ما هدد به.
2 - أن يعلم المستكره أو يغلب على ظنه أن المكرِه سينفذ تهديده إن لم يفعل ما أكره عليه، ويكون عاجزًا عن الدفع أو التخلص مما هدد به إما بهروب أو مقاومة أو استغاثة.
3 - أن يقع الإكراه بما يسبب الهلاك، أو يحدث ضررًا كبيرًا يشق على المستكره تحمله، كأن يهدد بقتل أو قطع عضو أو ضرب شديد أو حبس وقيد مديدين، وهو الإكراه الملجئ.
4 - أن يكون الإكراه عاجلاً غير آجل بأن يهدد بتنفيذه في الحال، فإن كان بشيء غير فوري ولا حالٍّ فلا يعتبر إكراهًا، لأن التأجيل مظنة التخلص مما هدد به، بالاستغاثة أو الاحتماء بالسلطات العامة إذا لم تكن هي مصدر الإكراه، فإن كان الزمن قصيرًا لا يتمكن فيه من إيجاد مخرج يكون حينئذ إكراهًا. يقول ابن حجر: «فلو قال إن لم تفعل كذا ضربتك غدًا لا يعد مكرهًا، ويستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًّا أو جرت العادة بأنه لا يخلف».
5 - ألا يخالف المستكره المكرِه بفعل غير ما أكره عليه، أو بزيادة على ما أكره عليه، فمن أكره على طلاق امرأته طلقة واحدة رجعية فطلقها ثلاثًا، أو أكره على الزنا فأولج وأمكنه أن ينزع فيتمادى حتى ينزل، فلا يكون إكراهه معتبرًا، لأن المخالفة بالزيادة أو بفعل غير ما أكره عليه تدل على اختياره،
أما المخالفة بالنقصان فيكون معها مكرهًا، لأنه يحتمل أن يقصد التضييق في فعل المحرم ما أمكن.
6 - أن يترتب على فعل المكره به الخلاص من المهدد به، فلو قال إنسان لآخر: اقتل نفسك وإلا قتلتك، لا يعد إكراهًا عند جمهور العلماء، لأنه لا يترتب على قتل النفس الخلاص مما هدد به، فلا يصح له حينئذ أن يقدم على ما أكره عليه.
7 - ألا يكون الإكراه بحق، فإن كان بحق فليس بإكراه معتبر، لأن التبعية والمسؤولية حينئذ تكون متوجهة بكاملها إلى المستكره، وذلك كما لو أَكره الدائن المدين على بيع ماله لقضاء الدين الواجب، أو أكره الحاكم الممتنع من الزكاة على الأداء، أو إكراه المالك على بيع أرضه للدولة لتوسيع الطريق العام، ونحو ذلك.
فكل ما يجب على الشخص في حال الطواعية فإنه يصح مع الإكراه، وقد ذكر ابن العربي أن هذا محل اتفاق بين الفقهاء.
هذا، وإن ثمة شروطًا أخرى ذكرها الفقهاء، وهي ترجع في حقيقتها إلى جملة ما ذكرت.
وألحق بعض الحنفية بهذا النوع استحسانًا لا قياسًا ما كان التهديد فيه بإلحاق الأذى بأحد الأصول كالأب والأم، أو الفروع أو الأقارب والأرحام، فهو نوع من الإكراه، لأن المستكره يلحقه الهم والحزن مثل ما يلحق به حبس نفسه أو أكثر، خصوصًا إذا كان التهديد متوجهًا إلى الوالدين أو الأولاد.